وسط حديث عن تعديل حكومي..هل انتهت مرحلة التجريب؟

في السياسة، لا تقاس التحولات الكبرى بالتصريحات وحدها، وإنما أيضا بتوقيت القرارات والسياق الذي تأتي فيه.

اليوم، يدور الحديث عن تعديل وزاري موسع. وفي الأمس، تسلم الوزير الأول المختار ولد أجاي تقرير لجنة التحقيق في ملف محطات الكهرباء، وسط انتظار أن يرفعه إلى رئيس الجمهورية. وفي الوقت نفسه، تتقدم التحقيقات في الملف الذي بات يعرف إعلاميا بـ«ملف مدوني الخارج»، فيما تقترب البلاد من الدخول في مرحلة جديدة مع الحوار الوطني المرتقب.

كل هذه الملفات تتحرك في وقت واحد، ولذلك فإن الحديث عن تعديل حكومي لا يمكن فصله عن سؤال أكبر: هل ما زالت المرحلة مرحلة تجريب، أم أن البلاد دخلت فعلا مرحلة تثبيت الخيارات والاستعداد لما تبقى من المأمورية؟

منذ بداية المأمورية الثانية، وضع رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني على طاولة العمل الحكومي أجندة تنفيذية واسعة، تشمل مشاريع كبيرة في الكهرباء والمياه والطرق والبنية التحتية، إلى جانب برامج في التعليم والصحة والخدمات الأساسية.

وخلال الفترة الماضية، انتقلت مشاريع عديدة من مرحلة الإعلان والتخطيط إلى مراحل التنفيذ والمتابعة، وهو ما جعل متابعة البرامج ونسب الإنجاز حاضرة في العمل الحكومي.

ولعل ملف الكهرباء نفسه كشف، بطريقة غير مباشرة، حجم المشاريع التي أطلقت خلال العامين الأخيرين ويجري تنفيذها حاليا. فإلى جانب العمل على معالجة اختلالات الشبكة، يجري تنفيذ مشاريع جديدة في مجال الإنتاج والنقل، من بينها محطة انجاكو ومشاريع خطوط الجهد العالي، ضمن توجه أوسع لتوسيع وتطوير المنظومة الكهربائية.

وفي المياه، وبعد تجاوز التأثر الموسمي الناجم عن ارتفاع نسبة الطمي وبدء الضخ التجريبي من توسعة إديني، يجري تنفيذ مشاريع هيكلية كبيرة، من بينها توسعة آفطوط الساحلي، ومشروع تزويد كيفة وعشرات المدن والقرى بالمياه انطلاقا من النهر، والقطب «أ» من المشروع الشامل للصرف الصحي، إضافة إلى مشاريع أخرى لتعزيز تزويد المدن والقرى بالمياه.

وفي الطرق والتعليم والصحة والبنية التحتية الحضرية، أطلقت الدولة أو تابعت خلال الفترة الماضية حزمة واسعة من المشاريع، جعلت تنفيذ البرامج ومتابعة نسب الإنجاز جزءا أساسيا من العمل الحكومي، كما هو الحال مع البرنامج الاستعجالي لتنمية نواكشوط ونظيره في الولايات الداخلية.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الحكومة الحالية أعطت دفعة واضحة لمتابعة البرامج وتنفيذ المشاريع، وأن الوزير الأول المختار ولد أجاي اختار، منذ توليه المسؤولية، التركيز على المتابعة المباشرة للملفات وربط عمل القطاعات، حيث أمكن، بآجال ونسب إنجاز محددة.

لكن المرحلة المقبلة مختلفة.

فالرئيس جرب خلال فترة حكمه أكثر من تركيبة حكومية، وغيّر رؤساء حكومات ووزراء، وأعاد ترتيب الفريق التنفيذي أكثر من مرة. أما اليوم، فالمساحة الزمنية المتاحة للتجريب أصبحت أضيق بكثير.

عمليا، لم يبق أمام السلطة التنفيذية سوى عام 2027 باعتباره آخر سنة كاملة بعيدة نسبيا عن الاستحقاقات الانتخابية. أما 2028 فستبدأ معه الحسابات الانتخابية بقوة، بينما ستكون 2029 سنة الانتخابات الرئاسية.

ومن هنا يمكن فهم الحديث المتزايد عن واقعية الإبقاء على الوزير الأول المختار ولد أجاي، مع إدخال أسماء جديدة إلى الحكومة تكون جاهزة للعمل وقادرة على مواكبة المرحلة المقبلة.

فإذا كان التغيير الحكومي سيحدث، فقد يكون أقرب إلى إعادة تشكيل للفريق التنفيذي المحيط بالوزير الأول، وربما إعادة توزيع لبعض الملفات، وإدخال أسماء جديدة وطاقات إضافية، ومعالجة بعض نقاط الضعف التي كشفت عنها المرحلة الماضية، دون الحاجة بالضرورة إلى تغيير كامل في اتجاه العمل الحكومي.

وبهذا المعنى، قد لا تكون الحاجة اليوم إلى تجربة مسار جديد، وإنما إلى تعزيز الفريق المكلف بتنفيذ خيارات الرئيس وبرنامجه، وتسريع المشاريع التي دخلت مراحلها التنفيذية، وإنهاء المشاريع الكبرى، والاستعداد للاستحقاقات السياسية المقبلة.

ولا ينبغي، في قراءة مستقبل الحكومة، إغفال المعطى الاقتصادي والمالي.

ففي خرجاته الأخيرة خلال زيارته لولايتي آدرار وإنشيري، قدم رئيس الجمهورية صورة مطمئنة عن الوضع الاقتصادي والمالي، متحدثا عن تحسن هامش الميزانية وقدرة الدولة على تمويل مشاريعها من مواردها الذاتية، رغم صعوبة الظرف الدولي وتعدد الأزمات.

وهذه إشارة مهمة في قراءة المرحلة المقبلة؛ إذ إن استمرار الدولة في إطلاق وتمويل مشاريع كبرى في قطاعات أساسية، في ظل وضع مالي يصفه رئيس الجمهورية بالمريح، يعني أن التحدي لم يعد مرتبطا فقط بتوفير الموارد، وإنما أيضا بسرعة التنفيذ وجودة الإنجاز وتحويل المشاريع التي أطلقت في إطار رؤية الرئيس إلى نتائج ملموسة قبل نهاية المأمورية.

كما أن حديث رئيس الجمهورية في مؤتمره الصحفي الأخير تضمن إشارات إيجابية إلى أداء الحكومة ومسار العمل التنفيذي، وإن جاءت الإشادة بصورة غير مباشرة، من خلال حديثه عن تنفيذ البرامج والمشاريع والنتائج التي تحققت خلال الفترة الماضية.

لكن هناك متغيرا لا يمكن تجاهله، وهو الحوار الوطني المرتقب.

فمخرجات الحوار قد تعيد ترتيب جزء من هذه الحسابات، إذا حملت مقترحات تتعلق ببعض بنود الدستور أو قواعد اللعبة السياسية أو حتى أجندة الاستحقاقات الانتخابية.

أما إذا بقيت الأجندة الحالية دون تغيير، فإن الحساب يبدو أكثر وضوحا: 2027 هي المساحة الأخيرة للعمل التنفيذي المكثف قبل أن تفرض استحقاقات 2028 و2029 نفسها على المشهد.

وعندها، يصبح معيار الاختيار الحكومي مختلفا عن السنوات الماضية.

ليس السؤال فقط: من يصلح لتولي حقيبة وزارية؟

بل: من يستطيع أن يدخل الوزارة ويبدأ العمل من اليوم الأول؟

فالرئيس، بعد سنوات من تغيير التركيبات وتجربة أساليب مختلفة في إدارة الجهاز التنفيذي، قد يكون أمام مرحلة لا تحتاج إلى مزيد من التجريب بقدر ما تحتاج إلى تثبيت الخيارات التي اختارها، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، وإدخال أسماء جديدة قادرة على تنفيذها وحمل الملفات إلى نهاياتها.

وفي هذه المعادلة، لا يتعلق الأمر بشخص الوزير الأول وحده، وإنما بالفريق الذي سيختاره الرئيس لتنفيذ ما تبقى من برنامجه وفي الزمن المتاح أمامه.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الحديث عن التعديل الوزاري ليس فقط: من سيغادر ومن سيدخل؟

بل سؤال أكبر:

هل يختار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أخيرا الفريق الذي سيكمل معه الطريق إلى 2029؟

#تفاصيل

#موريتانيا