بدأت الأسئلة تتصاعد داخل الأوساط السياسية مع بروز مؤشرات على تحفظات داخل أحزاب الأغلبية تجاه النسخة المعدلة من الوثيقة المرجعية للحوار الوطني، وذلك بعد أيام من التعديلات التي أدخلها منسق الحوار موسى فال استجابة لاعتراضات كانت قد رفعتها المعارضة.
ففي النسخة الأولى من الوثيقة، اعترضت المعارضة بشدة على إدراج موضوع “المدد والمأموريات” ضمن القضايا المقترحة للنقاش، معتبرة أن مجرد طرحه على طاولة الحوار يثير مخاوف سياسية لا مبرر لها. واستجاب المنسق لهذا الاعتراض، فحذف العبارة المثيرة للجدل واستبدلها بصياغة أكثر عمومية تتعلق بـ”المؤسسات الوطنية وآليات اشتغالها”، كما أعاد عنونة المحور ليصبح “تقييم النموذج الديمقراطي الحالي واقتراح سبل تطويره”.
لكن المفارقة أن التنازل الذي بدا كافيا لإرضاء المعارضة، لم ينجح في تحقيق توافق داخل الأغلبية نفسها، حيث بدأت تظهر تحفظات على الوثيقة المعدلة، وسط حديث عن رفض بعض مكوناتها لبعض المضامين المدرجة فيها.
⭕️ وهنا يطرح السؤال: هل المشكلة في الوثيقة أم في إدارة المسار؟
منذ البداية، رسم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سقفا سياسيا واضحا للحوار. ففي آخر لقاء جمعه بقادة المعارضة، أكد أنه لن يفرض أي موضوع على المعارضة ولا على الموالاة، كما كرر في أكثر من مناسبة أن الحوار “لا يستثني أحدا ولا يستثني موضوعا”.
وهذا المبدأ بالذات ظل يشكل إحدى الركائز الأساسية التي استندت إليها أحزاب الأغلبية في دفاعها عن الحوار. فحتى القضايا التي لا تحظى بإجماع داخل الأغلبية نفسها، مثل ملف الإرث الإنساني وبعض الملفات الخلافية الأخرى، قبلت الأغلبية مبدئيا مناقشتها انطلاقا من القاعدة التي تقول إن الحوار ينبغي أن يبقى مفتوحا أمام جميع القضايا الوطنية.
لذلك يرى بعض المتابعين أن أي محاولة لإعادة هندسة جدول الأعمال على أساس ما يقبل هذا الطرف أو يرفضه ذاك، قد تكون في حد ذاتها ابتعادا عن الفلسفة الأصلية التي أطلق بها الرئيس غزواني مبادرته للحوار.
⭕️ مهمة معقدة منذ البداية
حين اختير موسى فال منسقا للحوار الوطني، كانت مهمته الأساسية بناء الثقة بين أطراف لا يجمعها الكثير من الثقة أصلا.
ومنذ تعيينه، بدأ سلسلة لقاءات ومشاورات مع الأحزاب السياسية والفاعلين المدنيين والنقابيين، بهدف إعداد أرضية توافقية تسمح بإطلاق الحوار في ظروف مناسبة.
غير أن المشاورات كشفت مبكرا حجم التباينات بين مختلف الأطراف. فالمعارضة كانت تطالب بضمانات سياسية ومنهجية، بينما كانت الأغلبية تتمسك بمنهج مختلف في بعض الملفات، في وقت بقيت فيه أطراف أخرى خارج المسار أو متحفظة عليه.
ومن أبرز هذه الأطراف النائب بيرام الداه اعبيد، الذي حل ثانيا في الانتخابات الرئاسية مرتين متتاليتين، وما يزال موقفه من الحوار محل ترقب. فحتى الآن لم يتمكن المنسق من ضمان انخراط جميع القوى السياسية المؤثرة في المسار الجاري، وهو ما يجعل مسألة الشمولية الكاملة للحوار مطروحة بقوة.
⭕️ هل يفشل المنسق؟
من المبكر الجزم بذلك. فالمنسق نجح حتى الآن في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين مختلف الأطراف، كما تمكن من إنتاج وثيقة مرجعية أصبحت أساس النقاش السياسي الحالي.
لكن في المقابل، فإن الهدف الحقيقي لمهمته لم يكن إعداد الوثيقة في حد ذاتها، وإنما بناء توافق حولها.
وإذا انتهى الأمر برفض المعارضة للوثيقة أو رفض الأغلبية لها أو استمرار الانقسام حولها، فإن ذلك سيطرح بطبيعة الحال تساؤلات جدية حول حصيلة المرحلة التحضيرية برمتها.
⭕️ وهل سيستقيل إذا تعثر الحوار؟
لا توجد حتى الآن أي مؤشرات أو معطيات تدل على أن منسق الحوار يفكر في الاستقالة أو أن ذلك مطروح داخل الدوائر الرسمية.
لكن التجارب السياسية المشابهة تظهر أن نجاح أو فشل المنسقين يقاس عادة بقدرتهم على الوصول إلى طاولة الحوار، لا فقط بإدارة المشاورات السابقة لها.
فإذا نجح موسى فال في تقريب المواقف وإطلاق الحوار، فسيكون قد تجاوز أصعب مرحلة في مهمته. أما إذا انتهت المشاورات إلى طريق مسدود، فإن الجدل حول مسؤولية المنسقية وآليات عملها سيصبح أمرا حتميا.
⭕️ إلى أين يتجه الحوار؟
حتى الآن لم يعلن أي طرف انسحابه النهائي من المسار. فالمعارضة حصلت على تعديل البند الأكثر إثارة للجدل بالنسبة لها، والأغلبية تتجه -حسب مراقبين- إلى رفض هذا التعديل والتمسك بالوثيقة الأصلية، فيما يواصل الرئيس غزواني التزام موقف الحياد من هذا الحوار، والدعوة له كمبدأ أصيل ضمن سياسة الانفتاح والتهدئة التي طبعت مساره في الحكم منذ اليوم الأول لانتخابه.
وفي ظل تمسك كل طرف بموقفه، يبقى احتمال تعثر الحوار أو تأجيل انطلاقه واردا بقوة، خصوصا إذا عجزت المرحلة الحالية من المشاورات عن إنتاج صيغة تحظى بحد أدنى من التوافق بين الأغلبية والمعارضة.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة: هل ينجح موسى فال في جمع الفرقاء حول طاولة واحدة، أم أن الوثيقة التي أعدها لتكون جسرا بين الأطراف ستتحول إلى أول شاهد على تعثر الحوار قبل أن يبدأ؟
#تفاصيل
#موريتانيا