في بلادنا حيث عُرفت المجتمعات المحلية طويلًا بقدرتها على احتواء الخلافات، وحيث تحتل حرمة الدم مكانة راسخة في الدين والثقافة الاجتماعية، يُثير تكرار جرائم العنف والقتل المرتبطة أحيانًا بخلافات تبدو بسيطة سؤالًا مؤلمًا: ماذا يحدث لمجتمعنا؟ وكيف يمكن لمشادة عابرة أن تنتهي بموت إنسان؟ ترى من يحمي مجتمعنا من لحظة الغضب؟
ليست المشكلة في وقوع الجريمة أصلا، بل في وتيرتها، وفي الطريق الذي يؤدي إليها، والذي منه عادة: غضب لا يُضبط، وسلاح أبيض أصبح حاضرًا في كل الشجاربين المراهقين، ومؤثرات عقلية أو مخدرات في كثير من الحالات، ورفقة سيئة تملأ شوارع المدن، وفراغ كبير غير مستثمر، وضعف في الرقابة الأسرية، وتراجع أحيانًا لدور الوساطة الاجتماعية.
ومن الخطأ أن نختزل كل جريمة في سبب واحد؛ لكن من الخطأ أيضًا أن نتعامل مع هذه الوقائع باعتبارها حوادث منفصلة لا رابط بينها.
أولًا: الأسرة فهي خط الدفاع الأول؛ قبل الشرطة وقبل القضاء، هناك الأسرة.
الأب والأم هما أول من يستطيع ملاحظة التحول في سلوك الشاب، عندما يتكرر الغضب، ويظهر العنف في التعامل، وتكون الرفقة مشبوهة، أو يحصل غياب متكرر عن المنزل، أو تبدو مؤشرات على تعاطي المخدرات.
ولا تعني الرقابة الأسرية التجسس أو القسوة، وإنما الحوار والمتابعة والتوجيه ومعرفة البيئة التي يتحرك فيها الأبناء.
لقد تغيرت حياة الشباب كثيرًا بفعل الهاتف (المربي الجديد) ووسائل التواصل الاجتماعي والشارع والرفقة التي أصبحت مؤثرة بقوة في تشكيل الشخصية.
ومن هنا فإن ترك الشاب يواجه كل هذه المؤثرات وحده ثم تحميل المجتمع نتائج انحرافه بعد وقوع الجريمة ليس هو الحل، بل إن الأسرة التي تكتشف المشكلة في بدايتها تستطيع أحيانًا أن تمنع جريمة في نهايتها.
ثانيًا: المسجد والعلماء... إعادة الاعتبار لحرمة الدم
يمتلك مجتمعنا رصيدًا دينيًا وثقافيًا هائلًا، ولذلك فإن للمسجد والعلماء والأئمة دورًا كبيرا يتجاوز الوعظ التقليدي، فنحن بحاجة إلى خطاب ديني مستمر يخاطب الشباب بلغتهم، ويشرح لهم أن الغضب ليس مبررًا للقتل، وأن الانتقام ليس بطولة، وأن حمل السلاح لإثبات الرجولة ليس شجاعة، وأن حياة الإنسان ودمه؛ أمور ليست مجالًا للعبث.
كما ينبغي أن تكون خطب الجمعة والدروس الدينية أكثر حضورًا في قضايا المخدرات، والعنف الأسري، وعنف الشوارع، وسوء الرفقة، وضبط الغضب، واحترام القانون.
فالرسالة الدينية التي تصل إلى الشاب قبل الجريمة أكثر قيمة من الوعظ الذي يأتي بعد وقوعها.
ثالثًا: المدرسة..لا يكفي أن نعلّم الطالب كيف ينجح في الامتحان
نحن اليوم ننتشي بدفء المدرسة الجمهورية الجامعة لكل الطيف الوطني وهي مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى من تلقين المعارف فقط.
إنها مطالبة ببناء شخصية قادرة على الحوار واستيعاب الاختلاف وضبط النفس.
ينبغي أن يتعلم التلميذ أن الخلاف أمر طبيعي، وأن الإنسان يستطيع أن يختلف دون أن يكره، وأن يغضب دون أن يعتدي، وأن يخسر دون أن ينتقم.
وهنا تبرز أهمية التربية المدنية والأخلاقية، والأنشطة الرياضية والثقافية، واكتشاف السلوك العدواني مبكرًا، وربط المدرسة بالأسرة.
فالطالب الذي يتعلم منذ الصغر أن حل النزاع بالحوار قوة، وأن الاعتذار شجاعة، وأن التسامح ليس ضعفًا سيكون أقل قابلية للانجرار إلى العنف.
رابعًا: الشرطة... الحزم قبل أن تتحول المشاجرة إلى جريمة
لا يمكن بناء مجتمع آمن من دون شرطة فعالة وحاضرة.
لكن المطلوب ليس فقط التدخل بعد وقوع الجريمة، وإنما تطوير الوقاية الأمنية والاستجابة السريعة للنزاعات الخطرة.
فالمشاجرة التي تبدأ في حي أو سوق أو مكان عام قد تكون قابلة للاحتواء في دقائقها الأولى. أما عندما تتطور إلى استخدام السلاح، فإن هامش التدخل يصبح أضيق بكثير.
ومن هنا تبرز أهمية التعامل الجاد مع حمل الأسلحة البيضاء مسبقا ومنعه منعا باتا، ومكافحة المخدرات، ورصد بؤر الجريمة، ومتابعة أصحاب السوابق في إطار القانون، والتدخل المبكر عندما تظهر مؤشرات خطيرة، فالحزم الأمني المطلوب ليس حزمًا عشوائيًا، بل حزم قانوني يحمي المواطن ويحترم حقوقه في الوقت نفسه.
خامسًا: القضاء... العدالة التي يراها الناس
الأمن والقضاء وجهان لمعادلة واحدة، فإذا ضبطت الشرطة المشتبه فيه ثم طال أمد العدالة أو شعر المجتمع بأن العقاب غير حاسم، ضعفت الثقة في الردع.
وفي المقابل، فإن قضاءً مستقلًا وعادلًا وسريعًا، يحاسب مرتكب الجريمة وفق القانون، يبعث برسالة واضحة مفادها أن حياة المواطن ليست رخيصة، وأن الاعتداء على الدماء لن يتحول إلى أمر عادي.
لكن الردع الحقيقي لا يقوم على شدة العقوبة فقط؛ بل على يقين الجاني بأن القانون سيصل إليه.
سادسًا: أين اختفت الوساطة الاجتماعية؟
هذه ربما إحدى أهم النقاط التي تستحق النقاش في مجتمعنا.
لقد عرف مجتمعنا تقليديًا شخصيات اجتماعية تستطيع التدخل في الخلافات قبل أن تتفاقم.
اليوم نحتاج إلى استعادة هذا الدور ولكن بصورة منظمة ومتوافقة مع القانون.
ففي بعض النزاعات، قد تكون مكالمة من أحد أفراد الأسرة، أو تدخل شيخ الحي، أو إمام المسجد، أو شخصية اجتماعية محترمة، كافية لتهدئة النفوس ومنع التصعيد.
فالصلح لا يعني الإفلات من العقوبة عندما تقع جريمة، ولكنه يعني منع الخلاف من الوصول أصلًا إلى الجريمة.
سابعًا: المخدرات والسلاح الأبيض... مثلث الخطر
مع أنه لا يجوز القول إن كل جرائم القتل سببها المخدرات أو السلاح الأبيض، لأن ذلك يحتاج إلى بيانات وتحقيقات دقيقة.
لكن المجتمع لا يستطيع تجاهل الخطر المحتمل للمخدرات والمؤثرات العقلية، ولا خطورة حمل أدوات قاتلة في المشاجرات.
فالخلاف الذي كان ينتهي بكلمة أو تدخل أحد العقلاء قد يتحول، بوجود السلاح، إلى إصابة خطيرة أو وفاة.
ولهذا فإن مكافحة المخدرات والحد من حمل الأسلحة البيضاء يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية متكاملة للوقاية من العنف، لا مجرد حملات موسمية، وردّات فعل آنية.
ثامنًا: ماذا عن الشباب؟
لا ينبغي أن ننظر إلى شبابنا باعتباره هو مصدر الخطر، بل باعتباره الفئة التي يجب حمايتها من مصادر الخطر، فالشاب يحتاج إلى التعليم الجاد الممنهج، والعمل الذي يجد فيه الكفاف، والرياضة التي تشغله بما يُفيد، والتكوين، والثقافة، والفضاءات الآمنة، والقدوة الحسنة التي تنير له الدرب.
وحين يجد الشاب وقتًا طويلًا بلا هدف، ويعيش وسط رفقة سيئة، ويتعرض لمحتوى عنيف أو منحرف، وربما يقع في المخدرات، فإن المجتمع يكون قد تركه أمام طريق خطير.
لذلك فإن مكافحة الجريمة تبدأ أيضًا من بناء بدائل إيجابية للشباب.
معركة الجميع
لا تستطيع وزارة الداخلية وحدها حل المشكلة.
ولا تستطيع الشرطة وحدها.
ولا يستطيع القضاء وحده.
ولا يستطيع المسجد وحده.
ولا تستطيع الأسرة وحدها.
إنها مسؤولية مشتركة:
الأسرة تربي، والمسجد يوجه، والمدرسة تبني الشخصية، والمجتمع يتدخل للصلح، والشرطة تمنع وتحمي، والقضاء يحقق العدالة.
وإذا غابت حلقة واحدة من هذه السلسلة، أصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام العنف.
أخيرا علينا ألا ننتظر الجريمة حتى نتحرك؛ فأخطر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن ننتظر وقوع جريمة قتل جديدة حتى نتذكر المشكلة.
كل جريمة قتل يجب أن تكون مناسبة لا للغضب وحده، بل للتعلم والوقاية والمراجعة.
علينا أن نسأل بعد كل جريمة: هل كانت هناك إشارات سابقة؟ هل كان يمكن للأسرة التدخل؟ هل كان هناك تعاطٍ للمخدرات؟ هل كان السلاح حاضرًا؟ هل كان هناك نزاع سابق؟ هل كان يمكن للوساطة أن تمنع التصعيد؟ وهل يحتاج النظام الأمني أو القضائي إلى تطوير في جانب معين؟
إن المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الخوف، بل إلى مزيد من الوقاية والوعي والردع العادل والتماسك الاجتماعي.
فالقاتل قد يخسر حريته، لكن الضحية تخسر حياتها إلى الأبد.
ولهذا يجب أن يكون هدفنا أسمى من مجرد معاقبة الجاني:
أن نصل إلى اليوم الذي لا تتحول فيه كلمة غاضبة إلى جنازة، ولا تتحول فيه مشاجرة عابرة إلى مأساة، ولا يحتاج فيه المجتمع إلى الندم بعد فوات الأوان.
فحماية دماء أبنائنا ليست مسؤولية الشرطة وحدها، ولا القضاء وحده، ولا الأسرة وحدها؛ إنها مسؤولية وطنية وأخلاقية مشتركة.
وإذا كان القانون يحاسب من يقتل، فإن المجتمع كله مطالب بأن يسأل نفسه: ماذا فعلنا حتى لا يصل إنسان إلى لحظة يقتل فيها إنسانًا آخر؟